فصل: تفسير الآية رقم (236):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (235):

{وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)}.
التفسير:
أباح اللّه سبحانه وتعالى للرجال الذين يرغبون في زواج النساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن وهنّ في العدة- إن يعرّضن بخطبتهن تعريضا لا تصريحا، وهذا من الرحمة واللطف بالمرأة، فهى وإن كانت في فترة العدة إلا أنها مطلقة إطلاقا تاما من عقدة النكاح، ليس لزوجها المتوفى عنها متعلّق بها، إلا هذه العدة التي تعتدها رعاية للرابطة الزوجية التي بينها وبينه، واستبراء لرحمها منه.. وهذا لا يمنع من أن تكون موضع نظر من يريد الزواج منها.. فقد يكون من العزاء لها أن تجد في فترة الحزن والوحشة أملا يجيء إليها في صورة زوج منتظر، بعد انقضاء عدتها! وإنه لكى لا يدخل على هذه العدة ما يجرحها ويذهب بحكمتها، فقد أبيح للرجل أن يعرّض بخطبة المعتدة لوفاة ولا يصرح بهذه الخطبة، فهذا التصريح يقضى على كل أثر لهذه العدة.
وإنه لخير من هذا أن يضمر الرجل في نفسه خطبة المعتدة لوفاة.. فذلك ما لا حرج فيه، ولا إثم فيه! وقوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً} أي علم اللّه أنكم لا تقدرون على كتمان ما في أنفسكم، وسيجرى ذكرهن على ألسنتكم، وقد تجاوز سبحانه وتعالى لكم عن ذلك، ولم يبح لكم لقاءهن والتحدث إليهن في تكتم وخفاء، فذلك مما يثير الشكوك والريب، ويجعل لألسنة السوء مقالا، فإذا كان لكم معهن حديث فليكن حديثا مشهودا ممن يؤتمن عليه، فيعرف ما يقال، ولا يدع سبيلا إلى قالة سوء.
وقوله تعالى: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ} المراد بالكتاب هنا ما كتب على المرأة من عدّة، وأجل الكتاب عمره ومدته.. والآية تنهى عن المعالنة الصريحة، واتخاذ ما يدل على القطع بالرابطة الزوجية التي ستكون بين المعتدة المتوفى عنها زوجها وبين من يرغب في الزواج منها، فذلك من شأنه- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- أن يفسد الحكمة من هذه العدة، ويقضى على مظهر الرعاية لحرمة المتوفّى ولمشاعر أهله!
وقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} رصد لما في النفوس من وساوس وخواطر، ونيات منعقدة على الخير أو الشر، ومبيتة للإخلاص أو الخداع.. فاللّه سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء، مجاز على كل شيء.. فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء، وينوون الغدر.
وفى قوله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} دعوة إلى التسامح والمغفرة في تلك الهنات التي تبدو من الزوجة، ووصاة بحمل هذه الهنات على محمل حسن، وألا يبادر المطلعون على هذه الهنات بإصدار أحكام الاتهام.
ولينظروا إلى مغفرة اللّه التي وسعت ذنوبهم. وإلى حلمه الذي أمهلهم فلم يمجل بأخذهم بها!

.تفسير الآية رقم (236):

{لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)}.
التفسير:
تبين الآية الكريمة هنا حكم المرأة غير المدخول بها، وغير المسمى لها مهر، إذا أريد طلاقها. وأن شأنها في الطلاق شأن المرأة المدخول بها والمسمى لها مهرا، فللزوج أن يطلّق إذا لم يكن له بد من الطلاق! وللمرأة المطلقة هنا نصف مهر مثلها، منظورا فيه إلى يسار الرجل وإعساره، فذلك مما يخفف عن المرأة من تلك الصدمة، ويضمد جراحها.
وفى قوله تعالى: {مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ما يشير إلى تلك المواساة، التي ينبغى أن يسمح بها الرجل في كرم ورضى، وأن يستدعى لها مروءته، ورجولته، ودينه، فلا يطعن المرأة هذه الطعنة، ثم لا يمد لها يد الرحمة والمواساة! إذ ليس ذلك من الإحسان في شيء، والنبىّ الكريم يقول في قتل الحيوان المؤذى: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»! فكيف بإنسان؟.

.تفسير الآية رقم (237):

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)}.
التفسير:
إنّها المتعة المفروضة للمرأة المطلقة قبل الدّخول بها ولكن قد سمّى لها مهر! فلها نصف المهر المسمّى، للاعتبارات التي أشرنا إليها في الآية السابقة.
وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ} إشارة إلى أن هذا الحكم لا يمنع التراضي بين الزوجين، فإنه- مع هذا- يجوز للمرأة أن تنزل عن حقّها في نصف المهر، فقد تكون في سعة، ويكون الزوج في حال يضيره فيه المهر الذي قدمه، فتعيده إليه، واضعة في اعتبارها- إلى هذا الاعتبار- أن الزوج لم ينل شيئا منها، وأنه ربما اضطر إلى الطلاق لظروف خارجة عن إرادته.. فكان هذا الفضل منها داعية إلى الحفاظ على الروابط الإنسانية بينه وبينها، وبين أهله وأهلها، وربما كان ذلك داعيا إلى حسن الأحدوثة عنها والرغبة فيها من زوج آخر.. ولولىّ المرأة مثل هذا الحق الذي لها في التنازل عن نصف المهر المسمّى. {أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ}.
وقوله تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى} خطاب للأزواج، وتحريض لهم على التنازل عن نصف المهر من جهتهم، فتذهب المرأة بالمهر كلّه، وذلك على سبيل التسامح والتفضل.
وبين التسامح من جهة الزوجة أو وليها، والتسامح من جهة الزوج، يلتقى الطرفان على طريق سواء، لا مشاحّة فيه، ولا كيد، ولا عداوة، فيفترقان من غير أن تتصدع روابط الإنسانية في مجتمعهما الأسرىّ، الذي هو أساس البناء للمجتمع كله.
وقوله تعالى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} دعوة للطرفين معا أن ييسّرا ولا يعسّرا، وأن يحسنا ولا يسيئا، فذلك هو الأقرب إلى التقوى، والأليق بالمتقين: {إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازى الفضل بالفضل والإحسان بالإحسان، أضعافا مضاعفة: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.

.تفسير الآية رقم (238):

{حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238)}.
التفسير:
الدعوة إلى الصّلاة في هذا المقام استحضار للدعوة الإسلامية كلها، وتذكير باللّه، وبجلاله وعظمته ورحمته، وبما يبعث هذا التذكير في نفس المؤمن من استجابة لأوامره، وامتثال لأحكامه، إذ كانت الصلاة عماد الدين، وأكثر العبادات أثرا في تثبيت مغارس الإيمان، وفى النهى عن الفحشاء والمنكر، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ} [45 العنكبوت].
وقد اختلف في الصلاة الوسطى على وجوه شملت الصلوات الخمس لمفروضة كلها، حيث لم تحددها الآية.. فالصلوات المفروضة خمس، وأي صلاة منها هي وسط بين اثنتين واثنتين! وقالوا في تعليل إشاعة الصلاة الوسطى بين الصلوات الخمس: إن ذلك من جل أن يحرص المصلّى على الصلوات جميعها، وأن يؤدى كل صلاة منها على نها الصلاة الوسطى، فيحرص على أدائها جميعها في وقتها، ويستحضر لها مشاعره كلها.
وأقول- واللّه أعلم- إن الصلاة الوسطى هي الصلوات الخمس جميعها، وهى صلاة المسلمين، التي هي وسط بين الصلوات المفروضة على أهل الكتاب، كما أن الشريعة الاسلامية هي الشريعة الوسطى بين الشرائع السماوية، والأمة الإسلامية هي الأمة الوسط بين الأمم.
والعطف على الصلوات بقوله تعالى {وَالصَّلاةِ الْوُسْطى} هو عطف بيان، والتقدير حافظوا على الصّلوات وهى الصلاة الوسطى، أي الصلاة المحمودة التي رضيها اللّه لكم على الوجه المفروض عليكم من عدد الركعات، والركوع والسجود.
قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ} أي استحضروا وجودكم كله عند الصلاة، وأدوها قياما في خشوع، وخضوع، وسكون!

.تفسير الآية رقم (239):

{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)}.
التفسير:
هذا بيان لصلاة الخوف، أو الصلاة في غير حال السكن والاستقرار، كأن يصلى الإنسان في طائرة، أو على ظهر دابة، أو في مواجهة عدو.
والرّجال: هم المشاة، والركبان: هم الراكبون.
فليصلّ المصلّى في مثل هذه الأحوال ماشيا أو راكبا.. وذلك حتى لا تفوته الصلاة على أي حال كان عليها! وفى هذا ما فيه من تعظيم شأن الصلاة، والحرص على أدائها في أي ظرف، وفى أي حال.. حيث لا رخصة تدخل عليها بالإسقاط أبدا، إلا في حال المرأة مدة الحيض.

.تفسير الآيات (240- 242):

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242)}.
التفسير:
جاء في الآية الكريمة (234) قول اللّه تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وقد قلنا إن توجيه الخطاب هنا للأزواج المتوفين يحمل دلالة على وثاقة الرابطة بين الزوجين، وقداستها، وأنها لا تنقطع بموت أحدهما.
وفى هذه الآية (240) يجيء الخطاب أيضا إلى الأزواج المتوفّين، ليقيم بينهم وبين زوجاتهن صلة ممتدة إلى ما بعد الموت أيضا، ولكنها في هذه المرة محمولة على الرجال، كما حمل الحكم في الآية السابقة (234) على النساء، وهو أن يتربصن أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادا على أزواجهن.
والحكم المحمول على الرجال هنا هو أن يكون للمرأة المقام في بيت الزوجية مكفولة النفقة عاما كاملا بعد وفاة الزوج، لا يعرض لها أحد بإزعاج من بيت الزوجية، مادامت راغبة في السكن إليه.
وفى قوله تعالى: {وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ} إشارة إلى أن هذه الوصية مفروضة بأمر اللّه، سواء أوصى بها الزوج قبل وفاته أم لم يوص، وعلى هذا نصب لفظ الوصية بهذا الأمر، على تقدير: فرضنا {وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ} {ومتاعا} بدل من {وصية} و{غير إخراج} صفة لمتاع.
النفقة للمتوفّى عنها زوجها:
وللمفسرين رأى في هذه الآية، وأنها منسوخة بآية المواريث، وما فرض للزوجة فيها من فريضة الربع أو الثمن.
ونقول- واللّه أعلم-: إنه لا نسخ في هذه الآية الكريمة، ولا تعطيل لحكمها، وحكمتها! ونسأل: لما ذا هذا النسخ وما حكمته؟ ولما ذا يحمل القرآن الكريم آية كريمة، متلوة، متعبدا بها، وتحمل حكما صريحا مؤكدا موثقا. ثم تجيء آية أخرى بحكم آخر يعطل هذا الحكم، ويبقيه هكذا، يعلن في وجه المرأة سلب حكم كان فيه خيرا لها وبرّا بها؟ أهذا مما تقتضيه حكمة الحكيم العليم، في حال كحال تلك المرأة التي ذهب عنها زوجها، وتركها تعانى الوحدة والوحشة، وربما الفاقة، من بعده؟ وإذا كان من تقدير اللّه ألا يكون للمرأة مثل هذا الحق، أفكان من التدبير الحكيم أن يلوّح لها بهذا البر وتلك المواساة في آية كريمة، ثم تحرمه وتذاد عنه بآية أخرى من آيات الكتاب الكريم؟
وإذا أقمنا الآية الكريمة على تلك الموازين التي يزن بها علماء التفسير ضوابط الناسخ والمنسوخ، نجد أن أهمّ الاعتبارات التي جاء من أجلها النسخ عندهم هى:
1- التدرج في الأحكام، رحمة بالناس، وتخفيفا عليهم، وذلك حين يكون الحكم متعلقا بعادة متأصله في النفوس، ثم تقضى الشريعة بتحريمه، فإنها حينئذ لا نفجأ الناس بهذا الحكم مرة واحدة، بل تدخل عليهم به على عدة مراحل، في رفق وأناة، وفى تدرج.. من الخفيف، إلى الثقيل، إلى ما هو أثقل منه، كما حدث ذلك في تحريم الخمر والربا، على ما يقولون في الآيات الناسخة والمنسوخة فيها، وهو ما لا نقول به، كما عرضنا له من قبل.
2- التخفيف على الناس، مراعاة لتغير الظروف.. كما كان الأمر في قتال المسلم عشرة من المشركين، وذلك في أول الإسلام، فلما كثرت أعداد المسلمين، خفف اللّه عنهم، هذا فكان على المسلم قتال مشركين اثنين بدلا من عشرة.
3- تغليظ الحكم لا تخفيفه، وذلك لتغير الظروف أيضا.. فلم يكن على المسلمين قتال في أول الدعوة الإسلامية، ثم لما دخل في الإسلام الأنصار واجتمع إليهم المهاجرون أذن اللّه لهم في قتال من قاتلهم.. ثم لما قويت شوكة الإسلام ودخل الناس في دين اللّه أفواجا جاء الأمر بقتال المشركين متى طالتهم يد المسلمين.
تلك هي أهم الضوابط التي رآها علماء التفسير داعية إلى نسخ ما نسخ من آيات الكتاب الكريم.
وإذا أقمنا الآية الكريمة- كما قلنا- على تلك الضوابط لم نجدها تستقيم عليها، أو تستجيب لها.
فما جاءت الشريعة السمحاء في كتابها الكريم ولا في السنّة المطهرة، بمباح ثم حظرته، ولا حملت إلى الناس خيرا ثم عادت فسلبته، ولا بسطت يدها الكريمة بإحسان ثم قبضتها.. بل العكس هو الصحيح، وهو الواقع.
ولا نسوق الشواهد لهذا.. فأمر الشريعة كله قائم على اليسر والخير والرحمة.. فما كان على غير هذه السبيل فهو مدخول على الشريعة، مفترى عليها.
وننظر في الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ} فنرى المرأة الموصى لها- بأمر اللّه- بهذه الوصية، قد كانت في ظل زوج كفل لها الاستقرار والسّكن، وأنها قد اطمأنت إلى تلك الحياة، وأنست بها، وقرت فيها.. ثم إذا هي تمسى أو تصبح فتجد الرجل الذي كان يظللها بجناحيه قد طواه الموت، وذهب به بعيدا عنها إلى غير رجعة!! فانظر ماذا يكون حالها وهى تستقبل هذا الوجه الجديد من الحياة؟ ثم ضع في تقديرك أنها ربما تكون قد استهلكت شبابها، وصحتها، وقواها، في هذا البيت الذي دخلته فتاة ملء إهابها الشباب والصحة والقوة.. ثم ضع في تقديرك أيضا أن هذه المرأة- مع ذهاب شبابها واستهلاك صحتها- قد لا تكون أمّا لولد يؤنس وحشتها، ويحمى حماها، ويرعى شيخوختها.
انظر ماذا يكون من شأن هذه المرأة وقد جاءها من ورثة زوجها، عشيّة موته أو ضحاها- جاءها من يمسك بيدها لينتزعها من عشّها الذي عاشت فيه، ويقودها إلى ما بعد الباب، ثم يقول لها: مع السلامة! إن رفق وتلطف، أو بلا رجعة! إن اشتدّ وعنف!؟ وفاعل هذه الفعلة، وقائل هذا القول لا يتأثّم أو يتحرج، لأنه يستعمل حقّا له، ولم ينتقص المرأة حقّا من حقوقها، لأنه يعلم- كما يقول المفسرون- أن الآية التي تعطى المرأة حق السكن والمتعة حولا كاملا، هي آية منسوخة، غير عاملة!!.
وكلّا، فإن شريعة الإسلام أبرّ وأرحم من أن تعرّض تلك المرأة الجريحة لمثل هذه التجربة القاسية، وتلقى بها بين متلاطم أمواج الحياة قبل أن تندمل جراحها، وتجفّ دموعها، وتعتاد النظر إلى الحياة في وضعها الجديد! ولقد كان من تدبير الشريعة الحكيم أن قدمت للمرأة في هذا الحدث الأليم، جميل العزاء، ووضعت في يدها حق القرار في بيت الزوجية عاما كاملا، وكفلت لها من مال زوجها نفقة هذا العام على نحو ما كانت تعيش فيه مع زوجها، إن كان فيما ترك الزوج ما يسع تلك النفقة، فذلك هو الذي يمسك المرأة في محنتها تلك. وذلك هو البرّ من جهة الورثة بمورثهم، إذ حفظوا أهله، وصانوا عرضه! وأكثر من هذا.. فإنه إذا لم يكن فيما ترك المتوفى ما يقوم بنفقة المرأة خلال هذا العام فإن ورثة الزوج، ورحمهم الماسّة به توجب على الموسر منهم أن يكفل للزوجة حاجتها من ماله.. فكما أنه كان سيرته إذا ترك مالا، فإن عليه أن يؤدى عنه دينا هو في عنقه لزوجته! ذلك ما نراه أقرب إلى شرع اللّه، وأنسب لدينه الذي ارتضاه.
ولابد لنا من قولة في هذا المقام.
فلقد أعطى الإسلام المرأة كثيرا، وأضفى عليها حماية ورعاية، وجاءت آيات القرآن الكريم توصى بالنساء في كل دور من أدوار حياتهن، وفى كل موقف من موقفهن في الحياة: أوصت بهن متزوجات، وأمهات، ورعتهن يتيمات، ومطلقات، وأيامى. وأعطتهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات كما يقول اللّه تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وكانت آخر وصاة للرسول الكريم، ختم بها رسالته العظيمة الرحيمة قوله: «اتّقوا اللّه في الضعيفين: المرأة والمملوك».
إن الإسلام إنما جاءت رسالته لاستنقاذ المجتمع البشرى من عوامل التصدع والهدم التي كانت عاملة فيه، وهو من أجل هذا قد نفذ إلى الصميم من كيان هذا المجتمع. وهو الفرد الذي يتكون من وحداته المجتمع كله، فأخذ الفرد بآدابه وتعاليمه وأحكامه كى ينقّى جوهره، ويصفّى عناصره من من الشوائب والأدران، حتى إذا أصبح الفرد صالحا ليكون لبنة في بناء المجتمع، كان أول تلاحم له في هذا المجتمع هو وصله بالمرأة، ليكونا معا حجر الزاوية في هذا البناء، وعلى قدر التحامهما وتماسكهما تكون قدرته على الصمود والاحتمال! فكيف يعقل والأمر على ما ترى أن يقيم الإسلام بناء يقوم على دعامتين، هما: الرجل والمرأة، ثم يجعل من إحدى هاتين الدعامتين قوة تتسلط على الأخرى، وتفتّت كيانها، وتغتال وجودها، وتأتى على عناصر التفاعل والالتحام المهيأة لتوليد القوة وبعث النشاط في المجتمع البشرى كله؟ أهذا يكون من تدبير حكيم أو من عمل عاقل؟ يريد البناء فيهدم؟ ويغزل وينسج.
ثم ينقض ما غزل ونسج؟ وإذا جاز هذا على أحد المخلوقين فهل يجوز هذا على رب العالمين وأحكم الحاكمين؟
وتعالت حكمة اللّه عن هذا علوّا كبيرا.
وفى القرآن الكريم، وفى السنة المطهرة- كما قلنا- منهاج متكامل حكيم لإقامة هذا البناء. وإحكام هذا النسج المتلاحم بين الرجل والمرأة، إذا استقام المجتمع الإنسانى عليه، ونسج على منواله.
ولكن الذي حدث كان على غير هذا الاتجاه، إذ أنّ تفسير القرآن بدأ في عصر كانت فيه المرأة قد أخذت وضعا جائرا في المجتمع، لكثرة ما ازدحم في عصور الخلفاء والأمراء والوزراء وأصحاب الجاه والثراء- من الإماء، اللائي غلبن على الحرائر، واستأثرن بالنصيب الأوفر عند الرجال، وبهذا صرن الوجه البارز للمرأة في هذا العصر، في حين أصبحت المرأة الحرة في بيت الرجل شيئا كماليّا، لا يراد منه غير أن يكون للرجل امرأة، يكون له منها الولد أو الأولاد! وحين أخذ المفسرون ينظرون في كتاب اللّه، وفى الآيات التي تمسّ المرأة، وتقرر الأحكام التي تربط بينها وبين الرجل، وتحدد مالها من حقوق وما عليها من واجبات- حينئذ كانت نظرة المفسرين إلى المرأة واقعة على هذه الصورة الشائهة لها، المعزولة عن الوضع الصحيح الذي أقامتها الشريعة عليه.. ومن هنا كان تأويل آيات الكتاب الكريم واقعا تحت هذا المفهوم الجديد للمرأة، متأثرا به، مقدورا بقدره! وقد جاء الفقهاء على آثار المفسّرين فنظروا من وراء نظرتهم، وبنوا أحكامهم على أساس تلك النظرة، فبخسوا المرأة حقّها وأزالوها عن تلك المنزلة التي رفعها الإسلام إليها، وأعادوها إلى أنزل من الوضع الذي كانت عليه في الجاهلية.
والشيء الذي يلفت النظر في هذا هو أن كلمة المفسّرين الأولى في تأويل كتاب اللّه كانت طريقا سلكه كل من جاءه بعدهم، فنظر بنظرهم، وأخذ مأخذهم، إذ وجد من الحرج أن يعيد نظره فيما نظر فيه السلف، الذين كانوا أقرب إلى عصر النبوة وإلى تنسّم أنسامها الطيبة.
والحقّ أن هذا الشعور قد حجز كثيرا من العقول عن أن تتصل بكتاب اللّه وبالسنة المطهرة اتصالا مباشرا، غير واقع تحت تأثير هؤلاء السّلف الذين اجتهدوا فأخلصوا الاجتهاد، ولكن لا عليهم أن يجتهد غيرهم، بل لم يكن في تقديرهم أن يقولوا ثم لا يكون لغيرهم مقالا فيما قالوا! والسبب في جمود التشريع الإسلامى، يرجع في الواقع إلى هذا الشعور الذي دخل على العلماء والفقهاء من التزام الخطوة الأولى التي خطاها السلف في طريق هذا التشريع، الذي كان من طبيعة الأمور ومن معطيات الأصول التشريعية له- أن تتبع هذه الخطوة بخطوات، ممتدة امتداد الزمن، متفتحة على مسالك الحياة، مسايرة لسيرها!! وأحسب أنه لو تخففنا من هذا الشعور إلى الحدّ الذي يسمح لنا بحرية الحركة، واستقلال النظرة لوحدنا بين أيدينا التشريع الإسلامى الذي يقيمنا على أوضاع سليمة مستقرة في حياتنا المادية والروحية، وفى نظمنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكانت صحبتنا للدين صحبة نأنس بها، ونطمئن إليها، ونثق فيها، ولذهب ما بيننا وبين الدين من جفوة، ولتحولت نظرتنا تلك الفاترة الضائعة في اتصالنا به، إلى نظرة حيّة واثقة من أنها إنما تنظر إلى الحياة كلها، وإلى أجمل ما في هذه الحياة، حين تنظر في هذا الدين، وتقيم حياتها عليه! وأكثر من هذا- فإننا لو ذهبنا نأخذ شريعتنا من مصدرها الأول- الكتاب والسنة- لوجدنا أن كثيرا من القضايا الهامة في حياتنا التي جاءت إلينا باسم الدين، وصارت وجها من وجوهه، ومادة من مواد دستوره، لم تكن من الدين، وإنما وقعت من تأويلات، تحكّم فيها يومئذ واقع الحياة، وتحيف فيها المتأولون! إننا لو فعلنا هذا لأخر سنا تلك الألسنة التي ترمى الإسلام بالجمود والتخلف، وتحكم عليه بأنه دين الحياة القبلية، الذي لا يصلح لحياة المجتمع المتحضر، ولا يتفق والزىّ الذي يتزيا به إنسان القرن العشرين!
الطلاق مثلا هو عند من يفهمون الإسلام هذا الفهم السقيم لا يعدو أن يكون كلمة يتلفظ بها في جد أو هزل، وفى صحو أو سكر، فإذا هي سيف قاطع يصيب المرأة في مقتلها، وإذا هي جثة هامدة لا حياة فيها! وليس الطلاق هكذا في شريعة الإسلام، ولا هو على تلك الصورة الهزيلة الباردة!
الطلاق قضية:
ونعم قضية.. مثيرة.. خطيرة.. لها شأنها ووزنها في حساب الحياة، وفى بناء المجتمع الإنسانى! وبهذا الاعتبار، وعلى هذا التقدير، فإن أي انحراف يقع في النظر إليها، أو أي سوء فهم يرد على تصورها، لا يصيب المرأة وحدها، وإنما تمتد آثاره السيئة إلى المجتمع كله، ونصيب الصميم من مركز القوة والحياة فيه.
بهذا التقدير الحكيم كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق.. إنه في نظر الإسلام قضية من أهم قضايا المجتمع البشرى، بل هي عملية جراحية خطيرة يقتطع بها الإنسان بضعة منه، على تكره واضطرار.
وقد رأينا فيما نظرنا فيه من آيات الكتاب الكريم في شأن الطلاق كيف كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق، وكيف كان تقديره له. في كل مرحلة، وفى كل خطوة يخطوها الرجل نحوه.
وقد رأينا كذلك مفهوم قوله تعالى {الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ} وأشرنا إلى ما تشير إليه لفظة {مرتان} من أن الطلاق ليس مجرد تلفظ بكلمة الطلاق، بل هو عمليّة قاسية، وأنه ليس عملية واحدة، بل هو عمليتان موجعتان.. قلنا هذا أو نحوه وهو شيء قليل مما يمكن أن يقال! ولكن انظر كيف وقع مفهوم هذه الآية الكريمة في العصر الذي أشرنا إليه، عصر تدوين التفسير، والفقه، وما كان لأحداث العصر من أثر في إعطاء الآية الكريمة هذا المفهوم! كان الخلفاء يأخذون البيعة من الناس لأولياء العهد من بعدهم، لمن يختارونه من أبنائهم، وإنهم لكى يسدّوا على المبايعين منافذ التحلل من تلك البيعة، كانوا يوثقونهم بأيمان مغلظة لا يستطيعون الفكاك منها.
ومن هذه الأيمان يمين الطلاق! فكان فيما يحلف به المبايع أنه إن تحلل من هذه البيعة التي بايعها فكل نسائه طالق ثلاثا! على اعتبار أن التلفظ بأعداد الطلاق الثلاث مرة واحدة هو الطلاق الباتّ الذي لا رجوع فيه.. وبهذا تصبح المرأة طالقا بمجرد الحنث في هذا اليمين.
وعلى هذا أصبح الحكم الشرعىّ للطلاق عموما هو أن يحسب الطلاق بالعدد الملفوظ به، طلقة واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثة، وبهذا يمكن أن يقع الطلاق البات، وتنفصم عرا الحياة الزوجية في لحظة واحدة بكلمة واحدة! وأغرب ما في هذا المفهوم الخاطئ للطلاق، أنه يحتسب الطلاق يمينا يحلف به، مع أنه إجراء أو عملية، يتم بها الانفصال بين الزوجين، كما تم الاتصال بينهما بعملية مماثلة في الزواج، وإن كانت عملية الاتصال بين طرفين، وعملية الانفصال من طرف واحد.. فذلك لا يعدو أن يكون فسخا من جانب واحد لعقدتم بين طرفين. وهذا أمر جائز في بعض العقود، كعقد الهبة، وعقد الوصية.
ولا شك أن هذا المفهوم للطلاق بعيد غاية البعد عن ملفوظ الآية ومفهومها، مضاد كل التضاد للنظرة التي نظرت بها الشريعة إليه كدواء مر، لا يتجرعه الرجل إلا عند ما تعتلّ الحياة الزوجية، ويهدد الداء حياتها، عندئذ يجاء إلى هذا الدواء المر، ولكن لا يؤخذ منه إلا جرعة واحدة، فإن ذهبت بالداء، وإلا فالثانية، فإن لم يكن ثمة أمل فالثالثة.. ولا شيء بعدها! أرأيت إذن كيف كان أثر العصر الذي دوّن فيه تفسير القرآن في تلوين هذا التفسير بلون الحياة الغالبة على الناس يومئذ، وفى تخريجه على نحو يستجيب لمنازع هذه الحياة، ولا يتصادم مع أحداثها! ولك أن تنظر بعد هذا فيما يقال من أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه هو الذي أفتى بهذه الصورة الكريهة التي يقع بها الطلاق مرة واحدة بلفظ واحد، وأنه ألزم المتلفظ بكلمة الطلاق أن يقع طلاقه بائنا بينونة كبرى إذا حملت اللفظة معها ما يدل على عدد الثلاث، كأن يقول: هي طالق- طالق، طالق، أو هي طالق ثلاثا.. أو يقع يمينى ثلاث طلقات إذا حدث كذا أو كذا ثم لم يحدث هذا أو ذاك! لك أن تنظر في هذا الذي يقال عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، في أمر هذا الطلاق، وما يقام له من تعليل ينسب إلى عمر أيضا، وهو أن الناس استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، فكان ذلك عقابا لهم! يا سبحان اللّه! أهذا عمر بن الخطاب، وهذا توقيره لدين اللّه، وحياطته له، وحرصه عليه؟
ومعاذ اللّه أن يستحلّ ابن الخطاب حرمة من حرمات اللّه، فيحل حراما أو يحرم حلالا!! أفلأن خرج بعض الناس على منهج الدين يلقاهم ابن الخطاب بهذا الدين وقد غير لهم وجهه، وأدار لهم ظهره؟ وماذا لو رأى ابن الخطاب أن المسلمين قد أكثروا في عهده من التزوج بالكتابيات، ورغبوا فيهن عن المسلمات؟ أكان عليه- حسب هذا المنطق- أن يجيء إلى المسلمين بفتوى تحرم عليهم التزوج بهن؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! إننا نلغى عقولنا ونبيعها بأبخس ثمن إذا قبلنا مثل هذه الروايات التاريخية المتهافتة، التي تدين الإسلام، وتدين رجلا من رجالات الإسلام كعمر بن الخطاب، رضى اللّه عنه وأرضاه.
ندع هذا، ونسير في طريقنا مع كتاب اللّه، ومع آياته البينات.
قوله تعالى: {فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ}.
بعد أن قضى اللّه سبحانه وتعالى للمرأة المتوفى عنها زوجها بالمقام في بيت الزوجية حولا كاملا، مكفولة النفقة، غير متوجه إليها بكيد يفسد عليها المقام فيه، ويحملها على الخروج منه- بعد أن بين اللّه سبحانه هذا، أباح للمرأة أن تخرج من هذا البيت متى شاءت خلال هذا الحول، حسب تقديرها وتدبيرها لشئوون نفسها، فهذا الحق ملك لها تستعمله أو لا تستعمله، كله، أو بعضه، ولا سبيل لأحد عليها، ولا حرج على أهل الزوج إن هي خرجت راغبة غير مكرهة، ولا ضائقة! وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تذكير لأهل الزوج وورثته بعزة اللّه وقوته، حتى لا يعتزوا بعزتهم، أو يغترّوا بقوتهم، إزاء ضعف المرأة واستكانتها في الحال التي هي فيها، فيجوروا على حقها، ويعتدوا على ما وضع اللّه في يدها.. فما قضى اللّه به هو حكم الحكيم العليم، وليس لأحد أن يعترض على هذا الحكم أو يقف في سبيل إمضائه، وإلا كان معتديا آثما.
وفى قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} تأكيد لهذا البرّ الإنسانى بالمرأة المتوفّى عنها زوجها، إذ جعله اللّه حقّا للمطلقات عموما، فالمتوفّى عنها زوجها أحق وأولى بهذا البر منهن.
وإذ جعل الإسلام هذا البرّ حقا واجبا للمرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، على الزوج المطلّق، أو على ورثة المتوفى، فإنه لم يكتف بهذا الأمر الملزم، بل استدعى له إنسانية الإنسان كلها، وخاطب فيه جانب المروءة والرجولة، ليكون من ذوى الفضل والإحسان، وذلك ليشد الأمر الديني إلى ضمير الإنسان، وليوقظ له المشاعر الطيبة الرحيمة فيه، حتى يستقبل الأمر الديني، طيب النفس، منشرح الصدر، فيخف عليه أداؤه، والوفاء به على أكمل وجه وأتمه.. فسبحان الحكيم العليم المستولى بحكمته وبعلمه على ما تكن الضمائر وما تخفى الصدور! قوله تعالى: {كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي بمثل هذا البيان المبين، يخاطبكم اللّه بآياته، ويعلمكم آدابه وأحكامه، حتى تكونوا على هدى وبصيرة، لما التقى بعقولكم من هذا العلم الرّبّانى الوضيء.